الشيخ محمد الخضري بك
71
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
عليهم ، فأمر عليه الصلاة والسلام جميع المسلمين بالهجرة إلى المدينة ، فصاروا يتسلّلون خيفة قريش أن تمنعهم . وأول من خرج أبو سلمة المخزومي زوج أم سلمة « 1 » ومعه زوجه ، وكان قومها منعوها منه ، ولكنهم أطلقوها بعد فلحقت به « 2 » ، وتتابع المهاجرون فرارا « 3 » بدينهم ليتمكّنوا من عبادة اللّه الذي امتزج حبّه بلحمهم ودمهم ، حتى صاروا لا يعبؤون بمفارقة أوطانهم والابتعاد عن ابائهم وأبنائهم ما دام في ذلك رضى اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . ولم يبق منهم إلّا أبو بكر وعلي وصهيب وزيد بن حارثة ، وقليلون من المستضعفين الذين لم تمكّنهم حالهم من الهجرة ، وقد أراد أبو بكر الهجرة فقال له عليه الصلاة والسلام : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي ، فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر « 4 » استعدادا لذلك . دار الندوة أما قريش فكانوا كأنهم أصيبوا بمسّ الشيطان حينما طرق مسامعهم مبايعة الأنصار له على الذّود عنه حتى الموت ، فاجتمع رؤساؤهم « 5 » وقادتهم في دار الندوة ( وهي دار قصيّ بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلّا فيها ) يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين خافوه ، فقال قائل منهم : نخرجه من أرضنا كي نستريح منه ، فرفض هذا الرأي لأنهم قالوا : إذا خرج اجتمعت حوله الجموع لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه . وقال اخر : نوثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت . فرفض هذا الرأي كسابقه لأنهم قالوا : إن الخبر لا يلبث أن يبلغ أنصاره ، ونحن أدرى الناس بمن دخل دينه حيث يفضّلونه على الاباء
--> ( 1 ) أخو المصطفى من الرضاعة وهو أول من يعطى كتابه بيمينه . ( 2 ) راجع سيرة ابن هشام فلها قصة طويلة . ( 3 ) وهم باختصار عامر بن ربيعة من امرأته ليلى ثم عبد اللّه بن جحش وأخوه أبو أحمد الضرير فقد نزلوا على مبشر عبد المنذر بقباء ثم قدم المهاجرون أرسالا ( 4 ) الشجر ( 5 ) وهم عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، ومن بني نوفل ، طعيمة بن عدي ، وجبير ابن مطعم . والحارث بن عامر . ومن بني عبد الدار النضر بن الحارث ، ومن بني أسد : أو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام . ومن بني مخزوم : أبو جهل بن هشام ، ومن بني سهم : نبيه ومنبه ابنا الحجاج . ومن بني جمح : أمية بن خلف .